الكشكول القرآني

أصول المفردات القرآنية | باب حرف الألف: أبى (أ ب ي)

هذه المادة تدل على شدَّة الامتناع والرفض لأمر ما مادي أو معنوي مع إرادة صلبة وقناعة تامَّة. فالإباء ليس مجرد التَّرك والامتناع بل يتضمن قوَّةً في اتّخاذ الموقف. ولذلك استعملها القرآن الكريم في الموارد التي يحتاج فيها اتّخاذ القرار إلى قوَّةٍ كبيرة، من مثل:

  1. إباء إبليس السجود لآدم، قال تعالى: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ).
  2. وإباء أكثر الناس إلا كفوراً، قال تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا).
  3. وإباء قلوب المنافقين الإيمان، قال تعالى: (يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ).
  4. وإباء الله جلَّ وعلا إلا أنْ يُتِمّ نوره، قال تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّـهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).

فالسياق فيها جميعاً سياق تحدٍّ، دالٌّ على أنَّ المتحدّي لم يستطع أنْ يصل إلى ما وصل إليه إلا بقوّةٍ هائلة يمتلكها، أو يتوَّهم أنَّه يمتلكها، ولذلك ارتبط هذا الامتناع بـ:

  1. الاستكبار تارةً، كما في إباء إبليس: (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ)، وكأنّ استكباره أوهمه بأنه يمتلك القوة للرفض والامتناع عن السجود فأبى.
  2. وبالتّكذيب أخرى، كما قوله تعالى عن فرعون: (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ). فكأن التكذيب للحق يخوله الامتناع بقوَّة عن قبول دعوة موسى عليه السلام.
  3. وبــ (إلا) المفيدة للحصر والقصر ثالثة، قال تعالى: (وَيَأْبَى اللَّـهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ)، حيث تعني أنَ الله تعالى يأبى كل شيء سوى إتمام نوره، وأنه تعالى يريد تأكيد هذا الأمر وكأنَّه لا شأن له إلا إتمام نور دينه وهدايته للخلق، فالله سبحانه يعظُم ويجُلّ سلطانه عن أن يعوق تمام نوره عائق، ولا يقدر شيءٌ ولا يتأتى لشيءٍ، أو أمرٍ ما، أنْ يمنعَ إتمامَ اللهِ نورَه.

وهكذا في المواضع الأخرى، وعلى هذا تتكون لدينا معادلة لغوية دلالية وهي:

أبى = ترك + امتناع + رفض + قوَّة صلبة + قناعة تامَّة

هذا وقد تأتي بعض الاستعمالات لمادة (أبى) مجردة عن بعض القيود المذكورة آنفاً كما في قوله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) الدالة على مجرد الامتناع عن حمل هذه الأمانة لا لشيءٍ إلا لقصورها وعدم اشتمالها على صلاحية التلبس بها بدلالة قوله (وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا). ولا يمتنع أن يكون في استعمال الإباء هنا دلالة على ضرورة توفر قوَّة خاصّة لحمل هذه الأمانة.

والحاصل أن التخلص من بعض قيود المعنى منهج عربيٌّ صحيح، يُعّدُّ من باب استعمال اللفظ في جزء معناه، أو من باب التعميم بإسقاط بعض قيود المعنى.

تابعنا