الكشكول القرآني

أصول المفردات القرآنية | باب حرف الألف: أتى (أ ت ي)

الأصل في هذه المادة هو المجيء والإقبال أو الحضور والوصول أو الوقوع. وتختلف خصوصيات المعنى بحسب ما يقتضيه المورد وما يحتف بالكلام من قرائن وبحسب اختلاف الصِّيغ وفيما إذا كان الفاعل أو المفعول به محسوساً أو معقولاً.

وتأتي هذه المادة في اللغة مجردةً ومزيداً فيها:

فالمجرَّد: أتى يأتي إتياناً.

ومن المزيد: آتى يؤتي إيتاءً.

فالإتيان هو المجيء كما قدّمنا أمَّا الإيتاء فاستُعمِلَ في الإعطاء، وفي الإتيان بالشيء.

وفي الاستعمال القرآني يُلاحظ أنّ هذه المادّة من أكثر ما جاءت في القرآن الكريم فقد جاءت من المجرد والمزيد ومشتقاتهما ٥٤٩ مرّةً.

وأكثر ما جاء في القرآن من باب (أتى) فهو بمعنى المجيء كما في قوله تعالى: (فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ)، وقد تصاحب هذا المعنى مجموعة من المعاني الأخرى بحسب ما يقتضيه السياق منها:

  1. القرب والدنو: (أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ).
  2. الهدم والإهلاك: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ). فإتيانه تعالى بنيانهم من القواعد هو حضور أمره تعالى عنده بإبطال كيدهم، وإفساد مكرهم من حيث لا يتوقعون. فيكون المعنى أتى الله بنيان مكرهم من الأسس وهم يرقبونه من جهة سقفه ونتيجته فهدّمه عليهم حتى أهلكهم وأفسد عليهم مكرهم.
  3. الظهور: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ).
  4. الدخول: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا). أو هو من الوصول بمعنى التوصَّل إلى الأمور من مدخلها الطبيعيّ والصحيح.
  5. المباغتة والمفاجأة: (أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).
  6. البلاغ: (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ)، أي هل بلغك أو هل وصل إلى سمعك.
  7. الفعل: أتى الأمر أو الذنب أي فعله ومنه قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِسَائِكُمْ) أي يفعلن.
  8. المرور أو المضي: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ) أي مرُّوا ومضوا عليهم.

ومن هذا الباب ما جاء بصيغة اسم الفاعل (آتٍ) كما في قوله تعالى: (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) أي مقبلة أو واقعةُ لا محالة. وقوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) أي واقعُ بهم.

ومنه أيضاً ما جاء بصيغة اسم المفعول كما في قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا).

أما باب (آتى) فأكثر ما جاء منه في القرآن فهو بمعنى الإعطاء كقوله تعالى: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)، وقوله تعالى في مقام الامتنان على النبي صلى الله عليه وآله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ). وقد تصاحب معنى الإعطاء المعاني الآتية:

  1. الإرجاع والإعادة: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ) أي رَدَدْناهم وأعدناهم إليه.
  2. الإنزال: (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).
  3. المناولة: (فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَبًا). أي ناولنا غداءنا. ومثله: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ).
  4. الأمر: قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ) بحسب ما يُفهم من فحواها العام وبمقتضى المقابلة بين قوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ) وقوله: (وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ).

ومن هذا الباب ما جاء في قوله تعالى: (رَبَّنَا هَـٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّار)، وهو بمعنى الإتيان بالشيء (العذاب) أو بمعنى سُقْ إليهم عذاباً.

ومنه ما جاء بصيغة المبني للمجهول (أُوْتَ، أُوتِيَ، أُوتُوا، أُوتِيتُم، نُؤتَى…) كما في قوله تعالى حكايةً عن القرآن: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ).

ومنه أيضاً ما جاء بصيغة اسم الفاعل كما في قوله تعالى: (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ).

تابعنا